• محمد البدري

في أواخر العشرينيات من القرن المنصرم نشر الدكتور طه حسين كتابه الشهير (في الشعر الجاهلي) الذي تغير فيما بعد ليصبح (في الأدب الجاهلي)، وفي هذا الكتاب عندما تعرض لليمن طرح عميد الأدب العربي هذا السؤال الذي أتينا به كعنوان لمقالنا هذا.

يقول الدكتور عبدالعزيز المقالح : «أن في أذهان كثير من الأدباء والنقاد العرب من تأثير غير مباشر كاد أن ينسحب على كل العصور حتى يظن البعض إلى هذه اللحظة أن اليمن لاشعر لها ولاشعراء فيها وأنها أعجز من أن تساهم في الأدب العربي حتى على المستوى المحلي».

ولكن اليمن من واقع تخلفه وعزلته وانحطاطه اللغوي وتقاذفه الاستعماري الطويل هي من الأمور التي أغرقت اليمن في ظلام الحياة بين الحكومات والناس وقد كان آخرها حكم الإمامة البغيض .. حتى أصبح ما يتردد على السنة الأدباء والنقاد وعموم المثقفين في كل التجمعات والمؤتمرات والمهرجانات أن ليس لليمن شعرا ولاشعراء.

وسوف استحضر بيت من قصيدة طويلة للشاعر المناضل محمد محمود الزبيري اغتيل عام 1965.. في كتابه الأشهر.

صلاة في الجحيم .. (جهلٌ وفقرْ ومجاعةٌ وإمام والناس بين مكبلٍ في رجلهُ قيد وفي فمُ البليغ لجام).

وقد كان من الصعب جدا على اي باحث أو مثقف أن يقدم صورة عن الحركة الأدبية أو الشعرية المعدومتان في أجواء ظلامية أنجزها الزبيري في بيته آنف الذكر.

فمن الخطاء الفادح .. او المعيب أن يأتي من يأتي اليوم وهو ليس لديه من علم تاريخ وبرهان ليقول .. ان اليمن هم أصل العرب .. وهو نفسه هذا الذي يقول هذا الكلام على عواهنه لا يتكلم اللغة العربية الفصحى .. وإن حاول جاهدا فستجد أن لديه من الجُمل الكلامية مالا صلة لها بلغة العرب وقد ابان ذلك كثيرا من النقاد العرب.

ان السؤال الذي طرحه عميد الأدب العربي طه حسين ولايزال صداه يتردد .. لم يجب عليه أحد حتى اللحظة لأن اليمن لو به من أمثال شعراء الجاهلية الذين نعرفهم ودرسناهم وتدارسناهم وخصص لهم طه حسين واحدا من أشهر كتبه الذي أثار ضجة لم تهداء حتى اليوم.

لوجدنا لليمن شعراء من بين اؤلئك الشعراء المشاهير .. في الجاهلية اليمن ماكان يو ما للعرب اصلا ولافصلا من بين أصولهم العربية.

اليمن كُبكب بين ديانات ومذاهب وأعراق وطوائف مختلفة عبر مئات السنين وقرون عديدة .. عند أبرهة وجماعة الأحباش، وافعالهم القبيحة، وعند الفرس ومناهجهم الخسيسة، وعند الاتراك وافعالهم الوضيعة.

وحين خرج البقية الباقية في اليمن إلى يومهم المشهود إلى إمام أعاد غمسهم في مستنقعات الجهل والسحر والتنجيم. . فحاشا على العرب أن يكون أصلهم منابع اليمن.

اليمن أول من أرسل جيش من أبنائه الخلطاء لهدم الكعبة، وهم أول من جعل في صنعاء كعبة أخرى غير بيت الله العتيق الذي ببكة..ولا تقل اليوم هذا حوثي وهذا يمني كلهم يمنيون وهي نفس الايدي الأثمة التي تطلق الصواريخ على البقاع الطاهرة حيث النقاء العربي والإسلامي والشرف الأصيل.. مكة المكرمة زادها الله تشريفا وتعظيما.

وثورة الحراك السياسي هكذا اسميته على عهد التخلف والجهل والظلم والجياع الإمامي البغيض وحتى بزوغ فجر ثورة 1962 برز هناك عدد من الشعراء هم جميعا نتاج محنة كبرى المت باليمن، ويأتي في مقدمة هؤلاء محمد محمود الزبيري، وأحمد بن محمد الشامي، ومحمد عبده غانم، ولطفي جعفر أمان، والشاعر والإعلامي حسن عبدالله الشرفي، وزيد الموشكي، ومحمد زبارة، واحمد المطاع.

وغيرهم الكثير استنطقتهم الثورة شعراً حتى أن بعض علماء اليمن كتب شعراً مجاراة لهذا الشاعر أو ذاك، وكثيرا منها يرقى إلى المحاولات الشعرية التي اخرجتها فترة الثورة في اليمن .. من (الإمام) إلى (السلال) وما بعدها.

وكان قد شهدت هذه الفترة أعدادا من المحاولات الأدبية والفكرية التي سعت إلى قلب ذلك التقاطع الحاد إلى مواجهة السقوط النهائي في قبضة الجمود والتوقف، ولكنها جميعها جهوداً بأت بالفشل فلم يكن اليمن ليخرج من الخفاء والتخفي الا تقوقع وجفاف كان قد تأثر بقرون ارست في اليمن قوة مدمرة لاسبيل إلى اجتثاثها أو التغلب عليها أو قهر عواملها التي أدت إلى قطع دابر الفن والآداب .. إلى الإبقاء على قالب الإنسان اليمني عبر قرون خلت أثرت عليه كرسوماته الجينية وكان العلاج مستحيلاً بذلك الأثر السحيق.

التعليقات

اترك تعليق

*