• محمد حامد الجحدلي

في الوقت الذي ينشغل العالم اليوم، بقضايا دنيوية قد يكون نصيب الإنسانية منها، النزر اليسير وهذا من الطبيعي، في عالم تملؤه الصراعات الطاحنة، والاقتتال الدائم والتباعد الفكري، والاختلافات لأبسط متطلبات الحياة اليومية، ولنا أن نتابع لمجرد سويعات، أمام شاشات التلفزة الفضائية، لنرى ونسمع ما يندى له الجبين، من مآسي الحروب وآثار الدمار، التي خلفتها الزلازل والحمم البركانية كظواهر طبيعية، وإن كان بعض هذه المآسي هي من صنع الإنسان، ضد أخيه الإنسان طمعًا في الاستحواذ على ثروات الأرض، نتيجة الهيمنة والنزعة نحو التوسع، من خلفها أطماع أيدلوجية ومذهبية، أخذت بعدًا آخر في الانتشار على الخارطة الجغرافية، زادت من مخاوف العالم المُحب للسلام ونبذ الاقتتال والحروب.

ونحن كجزء من هذه المنظومة الإسلامية، نعدُّ أنفسنا بأننا نمتلك التأثير الإيجابي، على العالم بأبعاده ومؤثراته، ففي موسم حج كل عام يفد لبلاد الحرمين الشريفين، العديد من النخب الدينية والفكرية والسياسية، بجانب ارتفاع صوت الحق، من مآذن بلادنا المقدسة، تشع أنوار الهدى مُعلنة النداء (الله الأكبر)، فكم من القلوب المؤمنة تهتز مشاعرها، لهذا النداء الإلهي العظيم، فمنه تسود المحبة بين شعوب العالم لتتحقق المبادئ والأخلاق، ويزداد الوفاق بأرقى صور التبادل النفعي بين المجتمعات الإنسانية بهذه المناسبة الدينية، حين لا تستطيع أن تحدد معايير بعينها أمام الرأي العام لتمتلك مجاراة الحقيقة، كوجهة نظرك في السياق ذاته، لتأخذ طريقها بالقبول والإجماع إن قُدِّر لها ذلك.

وفي تاريخ مواسم الحج على امتداد السنوات الطوال، تُقام المؤتمرات الدينية والفكرية والأدبية، تتبادل فيها بعض اللقاءات الجانبية، لتعزيز أواصر العلاقات الثنائية، وصولا لنتائج تعكس عُمق العلاقات المتبادلة بين بلدين أو أكثر، والأمة اليوم تعاني الكثير من جراحات أصابتها في مقتل، لن نتناول ضمن مسبباتها ما يفعله بنا الآخر، ما لم تمتلك الأمة زمام أمرها، وهذا ما يحرص عليه الزعماء الشرفاء الذين أخلصوا لدينهم وشعوبهم وأوطانهم، وهو ما تتمناه تلك الشعوب لتبادل زعمائها الولاء، لتجتمع الأمة على كلمة واحدة، تتوحد قراراتها ومواقفها، وتتصالح مجتمعه في أمور دينها، ترتقي بعيدا عن الخلافات المذهبية، وتنبذ فيه لغة العنف والإرهاب والترهيب.

ففي ندوة الحج الكبرى، بدورتها الثالثة والأربعين التي يشرف على تنظيمها وزارة الحج والعمرة بالمملكة، بمشاركة العديد من النخب الدينية والمفكرية، والثقافية والأدبية من العالم الإسلامي، تُعقد عليها الآمال العريضة، حيث تتجه أنظار العالم بمختلف تياراته الفكرية والسياسية واختلافاته المذهبية، بما يصحح مسار أمتنا الإسلامية، لكي نصل لحلول واقعية تقبل التطبيق، لابد من نبذ الخلافات بشفافية وقبول الرأي الآخر، في أجواء تلتئم فيها الجراحات السابقة، اعترافا صريحا بأخطاء الماضي، التي أدت إلى هذه البؤر وشكلّت خلايا الإرهاب، لم يستفد منها سوى دعاة الفرقة والأطماع البغيضة، وليكون قادة الأمة هُم من يقود مسيرتها السياسية والحضارية.

هذا المشهد الإسلامي الكبير، الذي يتكرر في موسم حج كل عام، لا شك أنه يزيد أجيال الأمة الإسلامية قوة ومكانة، في مجالات متعددة، تصنع من خلاله مواقفها السياسية والفكرية، اعتزازا بدينها الإسلامي، وتمسكها بعقيدتها وسلوكياتها الدينية، لهذا كان من متطلبات هذه المؤتمرات، المشاركة الفعلية لطلاب الدراسات العليا في الدول الإسلامية، وتوجه لهم الدعوات لأداء فريضة الحج، إلى جانب العلماء والأدباء المشاركين، ليعتادوا تحمل مسؤولياتهم المستقبلية، ليقارعوا الحجة بالحجة أمام الآخر، في مؤتمرات عالمية مماثلة، دفاعا عن قضايا أمتهم واعتزازا بمبادئهم الإسلامية وقيمهم الحضارية.

التعليقات

اترك تعليق

*