• الدكتور صدقه يحيى فاضل

سبق أن ذكرنا أن هناك »وسيلة» مبسطة جدا لتصنيف سلوك الناس وتوجهاتهم السياسية ، تتمثل في خط مستقيم … ينقسم الى ثلاثة أقسام متساوية … بحيث يشغل كل قسم ثلث مساحة الخط المستقيم . ويشار الى الثلث الاول منه الذى على يمين الناظر الى الخط بـ«اليمين» ، والثلث الاوسط بـ «الوسط» ، بينما الثلث الاخير الواقع على يسار الناظر الى الخط بـ « اليسار» .

وعندما نحاول «تصنيف» سلوك أفرادا أو مجموعات معينة من الناس (تقريبيا) على مستقيم تقسيم التوجهات الفكرية الثلاثي الابعاد هذا ، يجب أن نضع كل شخص في الثلث الموافق لسلوكه ، بناءا على مدى محافظته ، أو رغبته في «تغيير» وتعديل الواقع المعنى . كما يمكن أيضا تقسيم من هم في الثلث نفسه ، ويعتنقون نفس التوجه ، الى يمين ووسط ويسار ذات التوجه .

وعادة ما يكون «اليمين» المتطرف ( يمين اليمين ) القابع في أقصى الثلث الايمن، متشددا ، لا يقبل الرؤى المخالفة له ، مؤمنا بتفوق الفكر و«العنصر» الذى ينتمى اليه ـ وان كان ينكر ذلك علناً ـ متظاهرا بالموضوعية …. وهو يطالب بالعودة إلى التقاليد القديمة المحافظة جدا ، ويؤكد على ضرورة التمسك بمعتقده في صورته المتطرفة ، والانطلاق من تعاليمه أحيانا لسيادة العالم ، وفرض تلك القيم (على «الكفار» بها) ما أمكـــــــــــن .

ومعظم اليمينيين المتشددين (أينما كانوا) ينظرون إلى العالم من هذا المنظار ، ويعتبرون كل من هو مخالف لهم ضدهم … يحسبونه شريراً ، تجب محاربته ، وحتى اشهار السلاح ضده ، وهدر دمه ؟! فـ «السلاح» لدي معظمهم ، هو الأداة الحاسمة المفضلة … لفرض ما يريدون, على الغير … لهذا , كثيرا ما يصطدمون بالآخرين ، وتوصف عقيدتهم بأنها «فاشية» ، وسلوكهم إقصائي ، وأيضا إرهابي …؟!

واليمينيون الأكثر تشدداً وتطرفاً يؤمنون بالتفسيرات المتطرفة والاكثر تحجرا لتعاليم عقائدهم وايديولوجياتهم المختلفة . ويعرف عن غالبية هؤلاء، بالإضافة لتمسكهم بالتفسيرات المتشددة والمتحجرة لمعتقداتهم ، اتسامهم بالغطرسة والتعالى ، والميل للعنف ، عكس الليبراليين الذين يقول أغلب الخبراء : أن أغلبهم هم أهل اليمين المعتدل ، والوسط ، لانهم يؤكدون على مبدأ الحرية لهم ولغيرهم ، ويغلب على فكر معظمهم الطابع البراجماتي …. إذ غالبا ما يرون أن «مصلحة» بلادهم وأمتهم يجب أن تكون فوق أي اعتبار أيديولوجي او عقائدي . والمقصود بـ «اليمين» هنا : التوجه ، والميول .

****
ومعروف إن التيار الليبرالي ( الوسط ) في العالم ، بصفة عامة ، وفى الغرب على وجه الخصوص ، هو الاكثر انتشارا . ومازال الاقوى ، رغم تصاعد في التوجه اليميني المحافظ . أما يمين اليمين المتطرف فما زال هو الاقل انتشارا وشعبية . ويشهد غرب أوروبا الان موجة يمينية ملحوظة … متمثلة في بعض القادة والاحزاب السياسية اليمينية ، ويمين اليمينية ، خاصة في فرنسا وألمانيا وبريطانية . ولكن هذه الاحزاب ما زالت خارج السلطة . أما أدارة الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترمب ، فتوصف بأنها يمينية … ولكنها ستحكم بمؤسسات ليبرالية .

ومعروف أن دساتير معظم دول العالم «علمانية» ….. أي أنها لا تنص على : الالتزام ـ في التشريع ـ بتعاليم دين معين . ومع ذلك ، يلعب الدين المسيحي دوراً بارزاً في السلوك السياسي الغربي الفعلي ، بشقيه الداخلي والخارجي . ويندر أن يشرع الساسة الغربيون أمراً يخالف المسيحية صراحة . وينادي اليمينيون الدينيون المتطرفون ، في بعض البلاد المسيحية بـ «تمسيح» دساتير بلادهم . والبعض منهم «أصوليون» ومحافظون غلاة . ورغم هذا ، فإنهم ينكرون «أصولية» غيرهم , من المخالفين لهم ….. وخاصة «الأصولية» الإسلامية.

وفى عالمنا العربي والإسلامي ، توجد في معظم بلدانه ـ كغيرها من البلدان ـ كل هذه التيارات ، وهذه التقسيمات ( وان كان أغلبها يتدثر بالإسلام ) بما فيها التيارات الاكثر تطرفا. ولكن معظمها لا يتجسد في أحزاب سياسية … تسعى للوصل الى السلطة ، أو الى أكبر قدر منها ، عبر التنافس السلمى مع غيرها ، عبر صناديق اقتراع ، كما هو الحال في بلاد أخرى . فتستمر تحت الارض … متحفزة للاستيلاء على السلطة بالقوة ، عندما تسمح لها الظروف بذلك .

ومؤخرا ، ظهرت في هذا العالم تيارات تمثل يمين اليمين المتشددة وبالغة التطرف . ومن المؤسف أن هذه التيارات ترفع شعار الاسلام … زاعمة أنها تمثله ، وهو منها براء . فالإسلام هو دين الوسطية والاعتدال والسلام ، لا دين التطرف والتحجر والعنف والارهاب . لذلك ، فان من المناسب أن نصف هذه الجماعات بـ «الاسلاموية»، تفريقا لها عن الاسلامية ، القائمة على الاسس الاسلامية الصحيحة . ونختتم هذا الحديث في المقال القادم بإذن الله .

التعليقات

اترك تعليق

*